حمزة قبلان المزيني

"التعامل مع المبتدِع"

هذا عنوان كتاب قليل الصفحات كثير الفوائد ألفه الدكتور الشريف حاتم بن عارف العوني. وعنوانه الفرعي: "بين ردِّ بدعته ومراعاة حقوق إسلامه (تصحيح لممارساتنا بالاحتكام إلى الكتاب والسنة وفهم السلف)"، طبع على نفقة مجموعة الميمني، الرياض: دار الصميعي للنشر والتوزيع، 1428.
ويكشف الكتاب أحدَ العوامل التي أسهمت في إذكاء "العداوة" بين فرق المسلمين، منذ القديم، وهو إخفاء المواقف الإيجابية لبعض العلماء، من المذاهب الإسلامية كلها، تجاه المخالفين لها.
ولا يقتصر هذا النهج على المتشددين ممن ابتعدوا عن عقلانية التيار السلفي؛ بل يشاركهم فيه كثير من المتشددين في المذاهب الأخرى.
ومن المؤكد أن تلك المواقف الإيجابية ستقضي، لو أحييت، على حدة العداوة التي يسعى بعض المتشددين إلى الإيهام بأنها الموقفُ الوحيد لأولئك الأعلام ضد الفرق الإسلامية الأخرى.
وعلى النقيض من الصورة النمطية التي يسعى المتشددون إلى تعميمها عن العلماء القدماء في الجانب السني، وتتمثل بالعداء للمخالفين، يورد المؤلف الفاضل أقوالا كثيرة وردت في المصادر الموثوقة منسوبة إلى كبار علماء المذهب تشهد بأن الخلاف لم يحمل كثيرا منهم على إخراج المخالفين من الإسلام.
ونظرا لشيوع بعض المقولات المتشددة التي ينشرها بعض المتشددين من التيار السلفي في بلادنا عن المخالفين لهذا التيار فمن الضروري الإشارة إلى جهد الدكتور العوني في البحث عن تلك المواقف الإيجابية في المصادر الأساسية للتيار السلفي نفسه.
ومن مظاهر ذلك النهج المتشدد من "المخالف" الذي يشيع في الخطاب الديني السائد في مجتمعنا ما تضمنته إحدى الفتاوى التي نشرت مؤخرا جوابا لمستفت يسأل عن "الموقف تجاه أهل البدع"، حين يكون أحد "المبتدعين" يعمل في المكان نفسه الذي يعمل فيه المستفتي. وقد عدد مُصدِر الفتوى بعضَ الأحوال التي تحصل في مثل هذا السياق، وذكر منها واحدا لا حرج فيه على المستفتي "... بشرط أن تتمسك بالسنة وتحافظ على الصلوات وتترك (المبتدع) جانبا، لا تباسطه ولا تأنس معه، تتركه على جانب تعده كأنه غير موجود".
أما النصوص التي أوردها الدكتور العوني فتشهد بأن السلف كانوا عادلين مع المخالفين، وأن خلافهم لم يدفع أولئك العلماء دائما إلى "تكفيرهم" أو غمط حقوقهم.
ويتمثل أوضح سبب لتمزيق المسلمين في اتهام بعضهم بعضا بـ"الابتداع" الذي ربما يؤول إلى الكفر. ولهذا كان أهم ما يتضمنه كتاب الدكتور العوني تقسيمُه "البدعة الكُفْرية" إلى ثلاثة أقسام. وهو تقسيم يمكن أن يقضي على نسبة كبيرة من أسباب التكفير.
فالقسم الأول هو: "البدعة الكفرية التي تكون مناقضة لصريح دلالة الشهادتين، فيكفر صاحبها على التعيين، بلا إعذار بجهل أو تأوُّل".
ثم يورد الدكتور العوني ما ينقض معنى الشهادتين فيقول: "والناقض الذي لا إعذار معه أبدا هو الناقض الصريح للدلالة اللغوية التي تُفهم من الشهادتين، لا للوازمهما. ودلالة الشهادتين اللغوية الصريحة مما لا ينبغي الخلاف فيه، فكذلك يجب أن يكون ناقضُها الصريح: مما لا ينبغي أن يُختلف فيه.
فناقض (لا إله إلا الله) الصريح، هو: إنكار وجود الخالق، أو جعل غير الله إلها، أو ادعاء إله مع الله؛ لأن هذا هو المناقض للدلالة اللغوية لها، فناقض دلالة الإثبات: هو نفي المُثبَت، واستبدال المثبَت بغيره، أما ناقض دلالة النفي: فهو إثبات الشريك لله تعالى" (ص 4).
وهذا البيان لدلالة كلمة التوحيد مهم جدا، وسيقضي على "اللوازم" التي رأى بعض المجتهدين أنها "تلزم" عن دلالة هذه الكلمة، وكانت هذه "اللوازم" الاجتهادية السبب الأول في اتهام كثير من المسلمين بالشرك، ومن أوضح أمثلتها "نواقض الإسلام العشرة" المعروفة في المدرسة السلفية.
وليس التيار السلفي، كما قلت في مقال سابق، الوحيد الذي يؤول بعض النصوص الإسلامية بشكل يحصر الإسلام في أتباعه، ويقصره عن بعض المسلمين، متخذا هذه التأويلات معايير يكفر بها المخالفين له.
ولو اكتفى المسلمون بالدلالة اللغوية للشهادة، كما صاغها الدكتور العوني ـ بعيدا عن التأويلات الاجتهادية المعروفة ـ لقضوا على أهم عامل يفرق بينهم. وسوف يساعدهم ذلك في البحث عن طرق أكثر جدوى وأنفع للحوار لأن ذلك يضمن اعتراف كل فرقة بصحة إسلام الفرقة الأخرى، وسوف تكون هذه المسلَّمة قاعدةً صلبة تحمي كل فريق من الانزلاق إلى إلغاء حق الآخر في الانتساب إلى الإسلام. كما ستجعل هذه الأرضيةُ المشتركة الحوارَ عن الخلافات الأخرى بين المسلمين أسهل، وسيكونون أكثر قدرة على إعذار المخالفين، وأقل حدة في نقد الآراء التي يختلفون معها.
أما القسم الثاني من البدعة الكفرية فهي "... التي تكون غير مناقضة لصريح دلالة الشهادتين، لكنها تعارض أمرا مقطوعا به في الدين. وهذه يمكن الإعذار فيها بالأعذار التي مرجعها إلى الجهل أو الخطأ، لكن إن أقيمت الحجة على أصحابها (إقامة صحيحة) فحينئذ يمكن لأهل العلم تكفيرُهم"(ص5).
ويمكن أن يدخل في هذا القسم كثير من الممارسات التي يتهم بعضُ التيارات بسببها أتباعَ بعض التيارات الأخرى بأنهم لا يحققون معنى الشهادتين. ومن المؤكد أن الخلاف في هذا القسم يمكن أن يُتعامل معه بالحوار والنقاش العلمي، بدلا من المبادرة إلى وصم المخالفين بالشرك، وهو ما يثير مزيدا من العداوة.
أما القسم الثالث من البدعة فهو "... إما أن تكون... بدعة غير كفرية أصلا، وهي التي لا تعارض أمرا مقطوعا به في الدين. فهذه لا يكفر بها أحد. لا المتأول ولا المعاند، لكنه قد يفسَّق، إذا أقيمت الحجة عليه، فتبين إصراره وعناده" (ص5).
ويمثل هذا القسم كثيرا من الممارسات التي صارت سببا للنزاع بين التيارات المختلفة من المسلمين، ومن السهل الحوار بين الفرقاء فيها لعدم تكفير بعضهم بعضا بسببها.
ويبدو هذا التقسيم ضروريا الآن لكسر دائرة التكفير المتبادل، ولبعث الحوار العلمي الجاد لتنقية المصادر الإسلامية الأساسية من شوائبه. ومن أهم الخطوات في هذا السبيل وضع أسس مشتركة للحكم بصحة الأحاديث النبوية الشريفة بخاصة، ووضع أسس جديدة متفق عليها لتأويل النصوص الكريمة بعيدا عن النزاعات السياسية والثقافية والاجتماعية التي كانت وراء بعض الأسس القديمة التي تولَّد عنها كثير من التأويلات الإيديولوجية الخصامية.
وليس بالإمكان هنا إيراد النصوص التي أوردها الدكتور العوني عن تزكية بعض السلف لبعض من كانوا يعدونهم من "المبتدعة". وهي نصوص تشهد بأن أولئك العلماء كانوا يحفظون "لأولئك المبتدعة" حق الانتساب إلى الإسلام بغض النظر عن بعض المواقف المتشددة منهم التي تروى في كتب أولئك السلف أنفسهم.
ويكفي النص التالي الذي نقله الدكتور العوني عن ابن تيمية مثالا لتلك النصوص "... ومن أهل البدع من يكون فيه إيمانٌ باطنًا وظاهرا، لكن فيه جهل وظلم، حتى أخطأ ما أخطأ من السنة، فهذا ليس بكافر ولا منافق. ثم قد يكون منه عدوان وظلم يكون به فاسقًا أو عاصيا. وقد يكون مخطئا متأوِّلا مغفورا له خطأه. وقد يكون مع ذلك معه من الإيمان والتقوى ما يكون معه من ولاية الله بقدر إيمانه وتقواه"(ص40).
ويوجب هذا الجهدُ المقدَّر للدكتور العوني على المهتمين برأب الصدع ـ من الفرق الإسلامية كلها ـ أن يبحثوا عما يماثل هذه الأقوال من مصادر الفرق المختلفة لتكون وسيلة لإقناع المنتسبين إليها بأن هناك مسوغات توجب الحد من العداء بين المسلمين.
كما يجب العمل على إبراز تلك المواقف الإيجابية، ونشرها إلى أوسع مدى، وتضمينها المناهج الدراسية، وإبرازها في وسائل الإعلام، والرجوع إليها حين التحاور مع المذاهب الأخرى.
شكرا للدكتور العوني على هذا الجهد؛ والمأمول أن نرى جهودا أخرى تماثله، يبشرنا بها السلفيون وغيرهم من المنتسبين إلى التيارات الإسلامية الأخرى على حد سواء.

*أكاديمي وكاتب سعودي